الشيخ علي الكوراني العاملي

95

مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي ( ط 2 )

إبليس يأمرهم فيشوهون آذان الأنعام . وفي استعمال الأبتر في مقطوع الذرية في قوله تعالى : إنَّ شانِئَكَ هُوَ الأبتر . لأنه هو في الحقيقة مقطوع الذرية وليس النبي ( صلى الله عليه وآله ) . 1 . ذكر ابن فارس أن أصل البتك قطع الشعر ونحوه باليد ، فهو نوع من النتف ، ولا يصح ذلك بل يقال سيف باتك أي قاطع ، وقال الثعلبي في تفسيره « 3 / 192 » : ما يقطع بالسكين ، ومنه الآية : فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ . ومثله المتْك . أما البتُّ فهو القطع ، قطع العلاقة ، وقطع الشئ ، وقطع الأمر عن الرجوع فيه ، ومنه اليمين الباتُّ ، والرأي الباتُّ ، والبَتُّ . بَتَرَ - أبتر - بتراء البتر : يقارب ما تقدم لكن يستعمل في قطع الذنَب ، ثم أجرى قطع العقب مجراه فقيل : فلان أبتر ، إذا لم يكن له عقب يخلفه ، ورجل أبتر وأباتر : انقطع ذِكْرُهُ عن الخير ، ورجل أباتر : يقطع رحمه . وقيل على طريق التشبيه : خطبة بتراء ، لما لم يذكر فيها اسم الله تعالى ، وذلك لقوله ( عليه السلام ) : كل أمر لا يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر . وقوله تعالى : إن شَانِئَكَ هُوَالأَبْتَرُ . « الكوثر : 3 » أي المقطوع الذِّكْر ، وذلك أنهم زعموا أن محمداً ينقطع ذكره إذا انقطع عمره لفقدان نسله ، فنبه تعالى أن الذي ينقطع ذكره هو الذي يشنؤه ، فأما هو فكما وصفه الله تعالى بقوله : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ « الشرح : 4 » وذلك لجعله أباً للمؤمنين ، وتقييض من يراعيه ويراعى دينه الحق ، وإلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بقوله : العلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة . هذا في العلماء الذين هم أتباع النبي ( صلى الله عليه وآله ) فكيف هو وقد رفع الله عز وجل ذكره ، وجعله خاتم الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . . ملاحظات . 1 . حاول رواة السلطة أن يُبعدوا الأبتر والكوثر عن الذرية ، لإخفاء فضيلة لذرية النبي ( صلى الله عليه وآله ) ! مع أن قوله تعالى : إن شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ، جواب لقول العاص بن وائل دعوا محمداً ( صلى الله عليه وآله ) فإنه أبتر لا عقب له . فأجابهم الله تعالى بأنه أعطاه الكوثر من الذرية ، وحوض الكوثر في المحشر ، ونهر الكوثر في الجنة . وقال له : لست أبتر ، بل عدوك العاص الأبتر مقطوع العقب ، ولذلك قال بعضهم إن العاص أبتر ونفى أبوَّته لعمرو . ومن الملفت أن علياً ( عليه السلام ) لم ينسب عمرواً إلى العاص أبداً ، بل كان يسميه : ابن النابغة ! 1 . تبع الراغب علماء السلطة وتخبط في تفسير الأبتر والكوثر ! فجعله خاصاً ببتر الذنب وأبعده عن النسب ! ثم جعل الكوثر رفع الذكر ، ثم جعله الذرية ، لكن جعله كل الأمة لأنهم بمثابة أولاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ثم جعله علماء أمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لأنهم يرفعون ذكره ولم يجعله نسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) من فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) كما هو ظاهر اللفظ ! ولا جعلهم جزءً من الكوثر . وهذا من عجىب تعصبهم . بَتَلَ - تبتلَ - بتول - نخلةٌ بَتلةٌ ومُبتل قال تعالى : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا « المزمل : 8 » أي انقطع في العبادة وإخلاص النية انقطاعاً يختص به . وإلى هذا المعنى أشار بقوله عز وجل : قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ « الأنعام : 91 » وليس هذا منافياً لقوله عليه الصلاة والسلام : لا رهبانية ولا تَبَتُّلَ في الإسلام ، فإن التبتل هاهنا هو الانقطاع عن النكاح ، ومنه قيل لمريم : العذراء البَتُول ، أي المنقطعة عن الرجال . والانقطاع عن النكاح والرغبة عنه محظور لقوله عز وجل : وأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ . « النور : 32 » وقوله عليه الصلاة والسلام : تناكحوا تكاثروا ، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة .